عمر السهروردي

282

عوارف المعارف

وقد جعل أبو حنيفة رحمه اللّه القهقهة في الصلاة من الذنب ، وحكم ببطلان الوضوء بها وقال : يقوم الإثم مقام خروج الخارج . فالاعتدال في المزاح والضحك لا يتأتى إلا إذا خلص وخرج من مضيق الخوف والقبض والهيبة ، فإنه يتقوم بكل مضيق من هذه المضايق بعض التقويم ، فيعتدل الحال فيه ويستقيم ، فالبسط والرجاء ينشئان المزاح والضحك ، والخوف والقبض يحكمان فيه بالعدل . ومن أخلاق الصوفية ترك التكلف ، وذلك أن التكلف تصنع وتعمل وتمايل على النفس لأجل الناس ، وذلك يباين حال الصوفية ، وفي بعضه خفى منازعة للأقدار ، وعدم الرضا بما قسم الجبار . ويقال : التصوف ترك التكلف . ويقال : التكلف تخلف ، وهو تخلف عن شأو الصادقين . روى أنس بن مالك قال : شهدت وليمة لرسول اللّه ما فيها خبز ولا لحم . وروى عن جابر أنه أتاه ناس من أصحابه فأتاهم بخبز وخل وقالوا : كلوا فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « نعم الإدام الخل » . وعن سفيان بن سلمة قال : دخلت على سلمان الفارسي فأخرج إلى خبزا وملحا وقال : كل ، لولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهانا أن يتكلف أحد لأحد لتكلفت لكم . والتكلف مذموم في جميع الأشياء ، كالتكلف بالملبوس للناس من غير نية فيه ، والتكلف في الكلام ، وزيادة التملق الذي صار دأب أهل الزمان ، فما يكاد يسلم من ذلك إلا آحاد وأفراد . وكم من متملق لا يعرف أنه تملق ولا يفطن له ، فقد يتملق الشخص إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق ، وهو مباين لحال الصوفي .